الشيخ محمد هادي معرفة
60
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
منه آيات محكمات واخر متشابهات قال تعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . . . » . « 1 » وهكذا نجد في القرآن آيات محكمة بيّنة المراد ممّا يعود إلى بيان التكاليف والأحكام والمواعظ والآداب وما شابه ، في وفرة وفيرة تعمّ أكثريّة الآيات الغالبة ، وهنّ أُمّ الكتاب أي مراجع الأُمّة لمعرفة الحلال والحرام والسنن والأخلاق . واخر متشابهة المراد في عدد قليل ممّا يعود إلى أصول المعارف والمبدأ والمعاد ممّا يخفى كنه المراد لغير المتعمّقين . . . في مثل قوله تعالى : « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . « 2 » فقد يخفى وجه الشبه في الآية في دقّته وظرافته ، سوى معرفة الظاهرمن أنّه تعالى منوّر السماوات والأرض ، الأمر الذي تفهمه العامّة من ظاهر الآية وتقتنع به . أمّا الخاصّة فيعرفون وجه الشبه في خفاء الكنه وكونه تعالى - كالنور - قائما بذاته ومتنوّرا وفي نفس الوقت منوّرا لغيره ، على ما أوضح بيانه الفيلسوف ابن رشد الأندلسي . « 3 » والعمدة أنّ الآيات المتشابهة أيضا ظاهرة المراد في ظاهر تعبيرها لدى العامة ومن ثمّ يقتنعون بها ولا يرون فيها غموضا ، وإن كانت الدقائق والظرائف التي تحتويها الآية خافية على غير أهل الدقة والعلم والمعرفة . فقد أصبحت الآيات القرآنية حسب ظواهر تعابيرها كلّها بيّنة لائحة على العامّة ، وإن كانت في باطن خباياها خفيّة على غير ذوي الاختصاص من الراسخين في العلم فلم يعد شيء من الآيات باقية في طيّ الغموض أو التعقيد بصورة الإطلاق . دفع التباس وشبهة هناك قد يتساءل البعض عن مواقف العامّة بل الخاصّة تجاه لغة الوحي ، وهي لغة الملأ الأعلى التي لاتتسانخ مع لغة أهل الأرض حسب مصطلحاتهم وأعرافهم . فما هي إلّا
--> ( 1 ) - آلعمران 7 : 3 . ( 2 ) - النور 35 : 24 . ( 3 ) - الكشف عن مناهج الأدلة ، ص 89 - 107 ؛ وراجع : الجزء الثالث من التمهيد « لماذا في القرآن متشابه » .